يبدأ فيلم One Flew Over The Cuckoo’s Nest – الذي أخرجه «ميلوش فورمان» والحائز على 5 جوائز أوسكار – بمشهد الإتيان بـ «ماكميرفي» (جاك نيكلسون) من السجن مقيدًا إلى مصحة نفسية في إحدى الولايات الأمريكية، لسبب واحد وواضح: اختبار قدرته العقلية، ومعرفة هل هو مجنون أم لا.

وهي بداية لافتة، فبغض النظر عن تمثيل نيكلسون لهذا المشهد ببراعة، منذ نزوله من السيارة إلى الوقوف في صالة الاستقبال الكبيرة، فهناك أمر ما أرادت هذه البداية أن تقوله وهو: أن كل مؤسسات المجتمع «الإصلاحية» مثل: السجون، والمصحات النفسية، ودور الرعاية المختلفة، تعمل في نفس الدائرة، وتدور في نفس الفلك، وتؤدي ذات الدور وهو خدمة الكل الاجتماعي.

كما أن تهمة «الجنون» لا يمكن أن يطلقها إلا شخص ذو سلطة، ومدعوم من قبل النظام الاجتماعي الحاكم، فعندما نتهم شخصًا ما بالجنون فإننا، وبكل بساطة، نريد إقصاءه من محيطنا الاجتماعي وتجريده من كل مميزات الانتماء إلى هذه الجماعة أو تلك.

ولكن ربما قد يقول أحد علماء الاجتماع، إن هذه المؤسسات تعمل على حماية المجتمع من كل الظواهر الباثولوجية (المرضية)، ومحاولة علاجها، والحقيقة أن هذا ليس أكثر من ادعاء فارغ لا أساس له، فالمصحات النفسية، مثلاً، لا يخرج منها أحد معافى، كما أن السجون، على كثرة انتشارها، لم تعمل على الحد من الجريمة.

إذن، بداية الفيلم كانت موفقة للغاية، والفكرة التي انطوت عليها كانت مدعاة للتأمل، لكن تعامل «ماكميرفي» مع هذا المشهد كان لافتًا هو الآخر، فرغم كونه قد أُتي به إلى المصحة النفسية لإثبات جنونه أو نفيه، إلا أنه تصرف كالمجانين تمامًا، فعندما وقف الجميع في الأدوار العليا ينظرون إليه، راح هو، بعدما حُررت يداه من القيود، يضع إحدى راحتيه على فمه ويصدر أصواتًا لا تليق سوى بمجنون، وكأنه أراد بهذا التصرف أن يُخرج لسانه لكل مؤسسات المجتمع الإصلاحية، ويعلن ثورته عليها منذ البداية.

وعندما يلتقيه رئيس المستشفى، ويبدأ في التحدث معه، ويتلو عليه سلسلة جرائمه السابقة، التي تسببت في دخوله السجن خمس مرات من قبل، يقاطعه «ماكميرفي» قائلاً: وكنت أمضغ العلكة في الفصل أيضًا!

إنه، إذن، مستمر في إستراتيجيته الساخرة لإعلان رفضه للمجتمع وقواعده ومؤسساته الإصلاحية، فهو يريد أن يسخر ليس من الطبيب ولا من المصحة النفسية فحسب، بل من القانون، ومن فكرة المعاقبة ذاتها، فبعض جرائمه لم تكن تستحق العقاب، ومع ذلك عُوقب عليها.

الباثولوجيا والوهم الاجتماعي

لكي تتضح فكرة أن دور المصحات النفسية وشتى صنوف المؤسسات الإصلاحية الأخرى، ليس حماية المجتمع من الجريمة، يقدم الفيلم في أحد مشاهده، حالما كان مرضى العنبر الذي نزل فيه «ماكميرفي» في جلسة علاج مع «ميس رايتشد» (لويز فيلتشر)، أحد المرضى، وهو رجل يبدو عليه، كما يصوره الفيلم «مخنثًا» أو ضعيفًا جنسيًا، يدخّن سيجارة، ثم يخطفها منه آخر، ويقوم المرضى بإلقاء السيجارة إلى بعضهم، كنوع من المكيدة لهذا الرجل، الذي ينتهي به الحال للحبو على ركبتيه ليبحث عن سيجارته المفقودة.

وهو الرجل نفسه الذي أقنعته المصحة النفسية أنه صحيح من الناحية العقلية تمامًا، وأنه هنا فقط كمتطوع، كغيره من المتطوعين، الذين هم ضعاف العقل فعلاً، لكن ما الذي يدفع المصحة النفسية للاحتفاظ بأشخاص طوال الوقت؟

إنها تريد أن تقوم بدورها تجاه المجتمع، أن تقول للكل الاجتماعي: أنا ذاك الترس الصغير في آلتك الكبيرة، وأفعل كل ما بوسعي لكي تستمر آلتك الجهنمية الكبيرة في الدوران، وهو نفس الدور الذي تقوم به كل المؤسسات الأخرى، فليس الهدف من وجودها حماية الإنسان ولا الحفاظ عليه، بل الحفاظ على المجتمع في ذات نفسه.

لكن أليس الوهم شيئًا جيدًا؟ ألم يكن دور الإله أبولو، كما قدمه لنا فريدريك نيتشه في كتابه البكر «مولد التراجيديا من روح الموسيقى»، أن يقول لنا:

إن الوهم الماتع وسيلة لاحتمال الألم الفاجع؟

هذا صواب، لكن الإله أبولو يدعونا لأن تكون لنا أوهامنا الخاصة، لا أن يخلق لنا أشخاص آخرون أوهامًا وأُطرًا وتصورات اجتماعية ويجعلوننا أسرى لها. صحيح أن الوهم مفيد، لكن حالما يكون ذاتي الخلق، أي عندما أخترع أنا لنفسي وهمي الخاص، باختصار إنه أحد وسائلنا لاحتمال شدائد الحياة.

«ميس راتشيد»: الرسول المثالي

استحقت (لويز فيلتشر)، وعن جدارة، جائزة الأوسكار كأفضل ممثلة عن هذا الفيلم، فقد أدت الدور المنوط بها بمنتهى البراعة، فرغم كونها مجرد ممرضة، إلا أنها كانت مخلصة إخلاصًا تامًا لرسالتها تجاه المجتمع، وبدروها كترس في الآلة الكبيرة، فكانت تمشي في العنبر كجنرال بكامل بزته العسكرية، حازمة مع الجميع، آمرة ناهية، باختصار: أداؤها كان أسطوريًا.

لكن اختيار ممرضة لتتولى رعاية الحدود والقواعد الداخلية لإحدى مؤسسات المجتمع الإصلاحية أمر لا يخلو من دلالة، فهي أولاً: أكثر حرصًا على القواعد من الأطباء، وكل من هم أعلى منها في الهرم الوظيفي، وهو الأمر الذي يعني تمكّن الوهم منها، وأنها هنا من أجل مهمة إنسانية، وهي الحفاظ على هذا المجتمع، وصيانة قواعده وحدوده الخاصة.

وثانيًا: يشير اختيار ممرضة للقيام بهذا الدور إلى أن الأوهام من خلق الكبار والتنفيذ من صفة الصغار، فرجال السياسة والحكم يصنعون الأوهام ثم يتولى تنفيذها الصغار، والذين لا مكان لهم سوى الهامش.

لكن هؤلاء الصغار لا يقومون بدورهم هذا إلا بعدما يتم غسل أمخاخهم، عبر وسائل الإعلام وآليات الإشهار والإقناع الأخرى التي تُحسن النظم السياسية استخدامها بدقة، ولعل هذا أحد تجليات مفهوم عالم الاجتماع الألماني الراحل «ثيودور أدورنو» عن «صناعة الثقافة».

وثالثًا: يشير حرصها على جدول العنبر إلى نوع من الغباء المستحكم، وإلى الالتزام الحرفي بالقواعد دون النظر إلى أي أمر آخر، فمثلاً: عندما قام أحد المرضى بالانتحار، ما كان منها إلا أن قالت بعد الحادث مباشرة: إن أفضل أمر نفعله اليوم هو أن نتبع الجدول، وهو الأمر الذي أثار حفيظة «ماكميرفي»، ودفعه للقفز على رقبتها ومحاولة خنقها، وهو مشهد يشير، من بين ما يشير إليه، إلى ثورة «ماكميرفي» ضد المجتمع وقواعده الخرقاء، وقد تحولت من السخرية (لنتذكر أن «ماكميرفي» كان ساخرًا طوال الوقت) إلى الفعل الواقعي.

المواجهة بالصمت

في مواجهة فظائع العالم وشدائده، قد يُفاضل المرء بين أن يكون أخرس أو أصم، فكونه أخرس يعني أنه لن ينخرط في سخافات الناس وحماقاتهم، وكونه أصم سيعفيه من سماع هذه السخافات.

لكن «الزعيم» لم يختر بين الخرس والبكم، بل اختارهما معًا وبشكل طوعي، فعلى الرغم من أنه كان يسمع ويتكلم، إلا أنه أوهم جميع من في المصحة النفسية أنه لا يسمع ولا يتكلم، ولم يفصح عن سره إلا لصديقه العزيز «ماكميرفي».

يقدم الفيلمُ «الزعيم» (الممثل ويل سامبسون) كرجل أخرس وأصم، يمسك بالمكنسة طوال الوقت، ولا يستطيع المشاركة في أي نشاط، لكنه أفصح عن مكنون ضميره لصديقه «ماكميرفي» لما رأى فيه نفس ثورته على المجتمع وقواعده البالية، وإن اختلفت وسائل كل واحد منهما في المواجهة، فـ «ماكميرفي» قرر الاستهزاء والسخرية من المجتمع وقواعده، فيما قرر «الزعيم» التجاهل.

وعلى كل حال، فإن دور «الزعيم» في الفيلم كان محوريًا، ففي المرة التي أراد فيها «ماكميرفي» القفز من على سور المصحة إلى عش الوقواق، لم يكن له من سبيل سوى كتفي «الزعيم»، وكأن هذا المشهد يريد أن يقول على لسان هذا الزعيم: «ماكميرفي» سأكون أنا وقود ثورتك.

وتبرز محورية دور «الزعيم» في المشهد الأخير من الفيلم، حيث كان «ماكميرفي» يرقد على السرير فاقدًا القدرة على فعل شيء، بعد نوبة تعذيب بالكهرباء، كنوع من المعاقبة له على خنق «ميس راتشيد»، وفي هذه الأثناء يأتي «الزعيم» إلى «ماكميرفي» قائلاً: ما كنت أخرج بدونك.

لكن «ماكميرفي» ليس في وضع يسمح له بالهروب من المصحة والذهاب إلى كندا، كما خطط هو وصديقه الوفي، وهنا لم يجد «الزعيم» أمامه إلا قتل صديقه، لأنه يدرك إدراكًا جازمًا أن بقاءه في هذه المصحة لن يكون في صالحه، بل سيعاني الويلات، وسيتم تعذيبه بشتى الطرق والوسائل.

يقتل صديقه (وقتل الصديق هنا بدافع النبل وحده، فليس منطقيًا أن أنعم أنا بالحرية فيما يظل صديقي راسفًا في الأغلال) ثم يحمل أحد أحواض المياه الثقيلة ويكسر به زجاج المصحة، ويهرب ماشيًا.

وقد تم تصوير المشهد ببراعة منقطعة النظير، فـ «الزعيم» لم يهرب عدوًا بل كان يمشي بكل ثقة، فبعد أن كسب حريته، وحرر صديقه بالموت من العذاب، ماذا يمكن أن يشغله؟ وها هو الأفق يرتسم أمامه واسعًا، وهو ذاك الأفق الذي سينفتح أمام كل شخص سيقرر الثورة على قواعد المجتمع المنحطة، ويقرر خلق قواعده وأوهامه الخاصة.