فوائد التحدث إلى النفس وقوة الحديث مع الذات, فكّر في الأسلوب الذي تتحدث به عادة مع صديق يحتاج إلى الدعم، حيث تمدّه بالتعاطف والتفاهم. ولكن كيف تدير مشكلاتك العاطفية والشخصية؟ هل تتعامل معها بنفس الوضوح والتوازن الذي تتعامل به مع صديقك المقرب عندما يكون متعبًا نفسيًا؟ على الأرجح، لا، وهذا لسبب وجيه، إذ أن إدارة المشاعر السلبية الذاتية تصبح أصعب عندما لا تكون هناك مسافة بينك وبين الموضوع المزعج.

ولكن هل فكرت يومًا في الحديث إلى نفسك؟ نعم، أن تقف أمام المرآة في الصباح وتناقش مع هذا الشخص الذي يعكس صورتك. هل هناك مشكلة تؤرقك؟ أنا أقوم بذلك حتى لو بدت الفكرة قليلاً غريبة. الحديث عن ذاتك يحمل أهمية كبيرة، خاصةً إذا تم التحدث بضمير المُخاطب (أنت) أو الشخص الثالث (هو).

قوة الحديث مع النفس

فعّل الكلام الإيجابي مع الذات هو أمر يتمتع بتأثير مثبت ومدعم علمياً، حيث يُظهر أن التحدث إلى الذات باستخدام صيغة الشخص الثالث (استخدام اسمك أو ضمير “هو” بدلاً من “أنا”) يمكن أن يسهم في التحكم الفعّال بالعواطف الصعبة.

في دراسة حديثة، تبيّن أن عندما يشير الأفراد إلى أنفسهم باستخدام أسمائهم الخاصة أو ضمائر الشخص الثالث (هو)، يمكن أن يساعد ذلك في إيجاد مسافة نفسية مناسبة للتعامل مع الحديث السلبي عن الذات، مما يعزز سيطرتهم العاطفية بشكل كبير. ووجد الباحثون أن هذا الأسلوب يقلل من التوتر عند تحليل المشاعر تجاه الأحداث باستخدام الأسماء الشخصية، بدلًا من استخدام الضمير “أنا”. وهذا الأسلوب لا يتطلب الكثير من الجهد العقلي أو الوقت، على عكس أساليب أخرى مثل التأمل العميق الذي يستهلك طاقة ووقت أكثر.

يمكن للتحدث إلى الذات بهذه الطريقة أن يساعد في تحسين ثقتك بنفسك ويمنحك التحكم في عواطفك، سواء كنت تتعامل مع ناقد داخلي أو تواجه مشكلات تتعلق بالعمل أو الإبداع. يمكن استخدام هذا الأسلوب لتغيير الحوار السلبي الذي يمكن أن يؤثر سلبًا على أدائك وحياتك.

لا تتردد في تجربة هذه الطريقة، حيث قد تشعر في البداية ببعض الغرابة، ولكن من خلال جعلها جزءًا من روتينك اليومي أو عندما تشعر بالضغوط العاطفية، ستجد نفسك أقل تأثرًا بالعواطف الصعبة. يمكن تطبيق هذه الفعّالية حتى عند مواجهة تحديات وأفكار سلبية، حيث يمكن أن تساعدك على تغيير الحوار الذي قد يكون تحت تأثير قوي على نجاحك في مختلف جوانب حياتك.

أضرار الحديث إلى النفس

غالبًا ما يتحدث الكثيرون عن أنفسهم بطرق سلبية، وهناك أشكال متعددة للحديث الذاتي الضار. يمكن تحويل هذا الحديث الضار إلى حوار إيجابي في مجموعتين من المواقف.

أولًا: عند التحدث عن النفس فيما يتعلق بالتفاعل مع الآخرين:

– بدلاً من التفكير في أخطاءك بشكل غير عقلاني، حاول تقدير أنك لست مثاليًا وقد تكون ردود فعلك طبيعية.

– عند مواجهة تصرف سلبي من الآخرين، افهم أن لديهم أسبابهم، ولا تأخذ الأمور بشكل شخصي. حاول أن تكون أكثر تسامحًا مع نفسك.

– في حالة تجاهلك من قبل الآخرين، عدل التفكير ليكون أكثر تفهمًا لأسباب قد تكون خارجة عن سيطرتك. لا تستبعد فهم ظروف الآخرين.

– في حالة خيبة الأمل من شخص ما، قم بتحديد أن هذا الشعور مؤقت وحاول فهم الأسباب والتصالح معها بدلاً من التحدث عن نفسك بشكل سلبي.

ثانيًا: التحدث عن النفس فيما يتعلق بسلوكك الشخصي:

– عند حدوث خطأ أو كسر شيء، تجنب النظر إلى ذلك كإهانة لشخصيتك. اعتبر أن الأخطاء هي جزء من التعلم والتطور.

– في الأيام الحزينة، قدم دعمًا لنفسك بدلاً من الانغماس في السلبية. حاول الاستماع إلى مشاعرك وتوجيهها بشكل صحيح.

– عند مواجهة تحديات، لا تعتبر نفسك فاشلًا. اعتبر الفشل جزءًا من رحلة التعلم والتطوير، وحاول النظر إلى الجوانب الإيجابية.

– في حالة تقصيرك، لا تهمل نفسك بشكل غير عادل. قدم لنفسك فرصة لتعلم والنمو بدلاً من الإلقاء باللوم على نفسك.

هذه الطرق تعزز التحول من الحديث الذاتي الضار إلى الحوار البناء، وتساعدك على تعزيز تفهمك وتقديرك لذاتك.

شاهد أيضا: قصة قصيرة.. الإنسانية كغاية والصداقة كملاذ روحي – بيرس نيوز 

فوائد الحديث عن النفس

فيما يبدو أن الحديث بصيغة الشخص الثالث للنفس يظهر كتصرف غير تقليدي، إلا أن هذا الأسلوب يترك أثراً إيجابياً على ثقتك بنفسك وقدرتك على التفاعل مع العواطف الصعبة والمواقف الحرجة. يُظهر أستاذ السيكولوجيا في جامعة ميتشغان، إيثان كروس، أن الحديث بصيغة الشخص الثالث يمنح دعماً عاطفياً ويُعد جزءاً أساسياً من استراتيجيات التنظيم العاطفي.

تجارب أجراها كروس كشفت أن تأثير الحديث بصيغة الشخص الثالث يسهم في تعزيز الصحة العقلية، ويُظهر تأثيراً إيجابياً تلقائياً. يشير كروس إلى أن الحديث بصيغة المُخاطب قد يكون أكثر سهولة بالنسبة للأشخاص، حيث يُخلق هذا النوع من التفاعل مسافة نفسية مفيدة تسمح لك بمعالجة العواطف بطريقة أكثر هدوءًا وتوازنًا.

التحدث بصيغة الشخص الثالث يعتبر استراتيجية فعّالة لتحسين تحكمك في مشاعرك واتخاذ قرارات موضوعية. في الختام، يُظهر أن الطريقة التي تتحدث بها مع نفسك يمكن أن تلعب دوراً كبيراً في تحسين نوعية حياتك. إذا كنت تجد نفسك ينقصها التقدير وتلقي اللوم باستمرار، يُمكنك تحويل هذا الحديث السلبي إلى حوار إيجابي، وأتمنى لك بداية مفعمة بالإيجابية.